المجالس الحديثية الرسمية في عهد الدولة العلوية الشريفة مجالس سليمان بن محمد بن عبد الله

 

بسم الله الرحمـــن الرحيم اللهم صل على الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم

المجالس الحديثية الرسمية[1] في عهد الدولة العلوية الشريفة

مجالس سليمان بن محمد بن عبد الله


 وقبل أن أطلق الكلام يخوض في غمار مجالس هذا الرجل العظيم الذي لا يمكن أن يوصف إلا بأنه من أكابر الأسرة العلوية علما وعملا وجهادا ومجاهدة، لابد أن أسلط شعاع ضوء الكلام على شخصه للتعرف به ومكانته العلمية، ليشدنا الشرق إلى معرفة مجالسه الحديثية وما يحوم حولها.

 ولادته.

ولد هذا الملك العظيم سنة 1180 هـ الموافقة لسنة 1766 م.

 جلوسه على عرش الحكم

وأصبح ملكا على عرش المغرب سنة 1206هـ وكان عمره إذ ذلك –كما هو واضح- نحو من خمس وعشرين سنة.

   يعد أبو الربيع سليمان بن محمد بن عبد الله بن إسماعيل بن الشريف من أقوى رجالات البيت العلوي الشريف وأعمدته، و نادرة من نوادره الذين أرسوا جواري العلم والدين والتدين القوي في سواحل الدولة المغربية، إذ جمع فيه ما تفرق في غيره من الملوك والسلاطين، فقد جمع بين العلم الرصين والملك المكين، فعم البلاد علما وعدلا، فاتخذ العلم والعلماء موجهه في تدبير حياته الخاصة وتسيير الحياة العامة، حيث قرب العلماء وجعلهم من خواص مجلس حكمه، ليكونوا مرجعه في شؤون الدولة ومهام الإمارة، وبالفعل ما كان قاطعا أمرا حتى يشهدوا ويعطوا رأيهم وحكمهم فيه.

  وكل من كتبوا عليه ودونوا أيامه يثنون عليه خيرا، ويذكرونه بالفضل والحلم والعلم الوافر، والتحصيل الكثير خصوصا الحديث وعلومه وكل ما في فلكه يسبح.

    يقول الزياني وهو من أقرب المقربين إليه والعائشين معه عن كثب  منذ صغره إلى أن تولى زمام الملك: وكان المولى سليمان ذا أخلاق فاضلة، واشتهر بالحلم والدين، والصبر والعفو والعدل، وحسن السيرة، وجميل السياسة، والسخاء والشجاعة.[2] 

  وروى كثير من معاصريه ومؤرخيه أنه اهتم بالعلم اهتماما منقطع النظير خصوصا الحديث وعلومه. 

  ولا أجد أبلغ وصف وصفه به صاحب الحلل البهية حين قال عنه: ووصفه بالعلم حقيق، سارت له الركبان وتعجبت الجهابذة من فهمه الدقيق، فكان وحيد عصره في الاعتناء باقتناء العلوم في المغرب، وسعى في تقريب كل ماهر ومطنب، وجمع أئمة الحديث من كل اعجمي ومعرب للمذاكرة والتفهم، إلى أن بلغ الغاية في التقدم، وتضلع من المعقول والمنقول والمعلوم والمجهول، كما تضلع في الحديث والتفسير، وعلا على كل متكلم فوق منبر وسرير، وسبح في بحر الأصول والبيان، وأنساب العرب والنوادر[3]. 

   وأما العدل فأقل ما يقال فيه: أنه رداه الذي لا يخلع عند الحل والترحال، ولا يستبدل لا عند الفرح ولا عند الغضب، قال عنه المشرفي أيضا في ذلك: وأما العدل فإنه لم يكن في ملوك عصره أعدل منه، حتى أنه كان يلزم العمال رد ما يقبضونه من الرعايا على وجه الظلم، من غير إقامة بينة عليهم على ما جرى به عمل الفقهاء من قلب الحكم في الدعوى على الظلمة وأهل الجور[4] ... وكانت الرعية بسبب عدله في غاية اليسر، قد نمت مواشيها، وكثرت خيراتها، وخصبت أرضها، وعظمت بركاتها"[5]

  ولا طاقة للمقام إن كنا نريد أن نفصل في أوصافه تفصيلا تبين عن مقامه فيها، ولذلك نكتفي بقول المشرفي القائل: وبالجملة فقد تجمعت فيه الأوصاف المحمودة، من: عدل وعقل وديانة وحلم وجود وعفو وصدق وصبر وشكر وحياء وحسن خلق وتأن وزهد وقناعة وتواضع وشجاعة وعفة ووفاء وعلم ورشد وهداية.[6]

 وقد يؤخذ عن هذا أنه بالغ في الإطراء وأن ذلك إنما من نزعة التقرب والاتصال، ولكن ينفي عنه هذا شهادة الأجانب الذين لا تربطهم به صلة ولا تقربهم إليه قرابة، مثل قول "هوفير" من المؤرخين الأجانب: كان من أحسن ملوك دولة الأشراف، وكان على وجهه سمات الطيبوبة، ملازما تعاليم الإسلام التي يتشبث بها[7].

 وهذا القدر المذكور لا يفي بالغاية مما ذكر عنه من القاب جليلة وأوصاف جميلة، ولا يكفي هذا الغيض من فيض شمائله الفضيلة ومحاسه الكريمة، ولكن فيما ذكر كفاية، إذ ليس المقصود الإحاطة بكل ما قيل فيه وما اتصف به من محاسن ومكارم.  

  مؤلفاته.

  لاريب أن مثل هذا الرجل العظيم الذي بلغ من العلم مبلغا لم يساووه فيه العلماء الأفذاذ والمجتهدين الأقطاب  سيخلف أثرا لا يمحى بطول الأزمان وتعاقب الحدثان، من هذا الأثر ما يلي:

ü   حاشيته على الإمام الخرشي

ü   شرح مختصر خليل في الفقه.

ü   كتاب في الرد على من أنكر التجمير زمن الصوم

ü   حاشية على الزرقاني

ü   حاشية على الموطأ

ü   كتاب في أحكام الجن، والتفريق بينها وبين أحكام الإنس.

ü   تقييد على الآية الكريمة { وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبيء ... } الآية

ü   تقييد في شرح مختصر خليل.

ü   كتاب في الرضاع.

ü   كتاب في حكم السماع.

ü   رسالة في الكسب.

ü   عناية أولي المجد بذكرى آل الفاسي ابن الجد.[8]

وغيرها من المؤلفات التي ألفها بنفسه، والتي أمر بعض العلماء بتأليفها في قضايا نقشت في مجالسه ولم يحسم فيها الأمر.

  وفاته     

  لبى نداء خالقه، وسلم روحه لبارئه، سنة 1238 هـ الموافقة لسنة 1822 م، رحمه الله تعالى وأسكنه أعالي جنانه.

  مجالسه الحديثية  

    وكما أسلفنا فإنه رحمه الله تعالى "لا يجالس إلا الفقهاء والعلمـاء، ولا يبرم أمرا من أمـور المملكة إلا بعد مشاورتهم، ولا يقبـل منهم إلا النص الصريح، ويبالغ في الثنـاء عليهم وتعظيمهم وصلتهم ومودتهـم، وتفقـد أحوالهم وأحوال كل مـن له صلة بهم"[9]، ولذلك تابعت الحياة الفكرية بالمغرب تطورها وازدهار فروعها على عهد هذا الرجل العظيم لاتباعه نهج والده في اقامة المجالس العلمية الحديثية واتخاذها أساسيات الدولة، التي ترسم فيها خطط سيرها في التشريع والتنظير  والتنظيم، والنظر فيما يواجه الدولة من نكبات وكبوات على الصعيدين الداخلي والخارجي. 

  كان له -رحمه الله- مجلس خاص بقراءة الجامع الصحيح لأبي عبد الله البخاري وسماعه والمذاكرة فيه، وكانت تغلب عليه المناقشة والمناظرة والحوار"[10] 

  ومن مميزات مجالس مولاي سليمان أنه يختار له كبار فطاحل المحدثين الذين شهد لهم بقدم راسخ في ميدان الحديث، قال الناصري في الاستقصاء: ويجمـع أعيان العلمـاء لسرد الحديث الشريف وتفهمه، والمذاكرة فيه على مر الليالي والأيام، ويتأكد ذلك عنده في رمضان ويشاركهم بغزارة علمه وحسن ملكته، ويتناول راية السبق في فهم المسائـل التي يعجز عنها غيره فيصيب المفصل[11]" منهم " الشيخ أبي الفضل حمدون بلحاج صاحب كتاب  ( نفحة المسك الداري لقارئ صحيح البخاري) وكتاب (رياض الورد) والشيخ التاودي بن سودة، والفقيه العلامة محمد بن أبي القاسم الفيلالي، والعلامة محمد بن العباس الشرادي الزراري القضاعي، والشيخ أبي العلاء العراقي"[12]، وغيرهم ممن اصطفوهم السلطان لمجلسه.

  وكان يرأس هذه المجالس بنفسه، ويشارك في أعمالها وأبحاثها مشاركة علمية فعالة، وبالتالي يساهم في عروضها، ومحاضراتها ومناظراتها بحصة الأسد" [13].

 وهذه المجالس التي يقيمها مولاي سليمان ليست عادة تقام للراحة والمراحة والتسلي أو للحفاظ على ميراث الأجداد، بل هي مجمع علمي وجامعة أكاديمية يدون ما نوقش فيها وما ذكر ويعد للتأليف والتصنيف، ولذلك" كان يسهر على تسجيل محاضرها، والاحتفاظ بها، للاستعانة بها وتوظيفها في أعمال الخلايا المكلفة بالتأليف والتصنيف"[14] 

   ومما يبئنا أن هذه المجالس ليست عادة تتبع بل هي أساسية في نظر السلطان: أنه يعقدها سفرا وحضرا دون انقطاع ولا انفصام.

   قال المشرفي واصفا مجالسه هذه: "وكان دأبه جمع أعيان العلماء لسرد الحديث على مر الليالي والأيام ولا سيما في شهر رمضان، ويشاركهم بغزارة علمه، وحسن ملكته"[15]

  وممـا يذكر من لطائف مجالسـه الحديثية، أنه كان بمجلس البخاري فعطس والقارئ يتلو يرحمك الله مـن حديث أبي هريرة قال: قال رسـول الله صلى الله عليه وسلـم، إذا عطـس أحدكم فليقل الحمد لله على كل حال، وليقـل له أخـوه وصاحبه يرحمك الله... الحديث وقد سجل هـذه اللطيفة أبو الفيض حمدون بلحاج في بيتين ظريفيـن:  

عطسـت وراو الحديـث يقــول    *    يرحمــك الله قــول الرســول
فكـان الرســــول المشمـت إذ     *    عطسـت وذلك أعظـم ســـول[16]

   فاهتمامه هذا بالمجالس الحديثية أتى من عنايته بالحديث نفسه، وذلك أنه يكثر من مشيخته في الحديث، لا يفوت فرصة الأخذ من المشايخ الكبار كلما وجد إلى ذلك سبيلا،" وأيضا اهتمامه بوصل سنده بسند شيوخه، من ذلك الفهرس الذي جمعه له كاتبه أبو القاسم الزياني والذي ضم شيوخه الذين أخذ عنهم، وسماه ( جمهرة التيجان وفهرست اللؤلؤ والمرجان في ذكر الملوك وأشياخ مولانا سليمان"[17]  

 هذا غيض من فيض أخبار هذا الملك الهمام الذي لا تحيط بكل ما ذكر له صفحات ولا مؤلفات ناهيك عن حروف أو كلمات، ولكن ما لا يدرك كله لا يترك كله.

والله الموفق للصواب والهادي إلى سبيل الرشاد، والحمد لله رب العاملين

        

 

بقلم العبد الضيف الراجي توفيق ربه في الأعمال الصالحة محمد بن أحمد أولمودن



[1]  أقصد بالرسمية التي يقيمها الملك بنفسه.

[2]  المجالس العلمية السلطانية في عهد الدولة العلوية الشريفة لآسية الهاشمي البلغيثي، ج: 1، ص: 367، ط: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية   نقلا عن الروضة السليمانية للزياني. 

[3]  الحلل البهية في ملوك الدولة العلوية وعد بعض مفاخرها غير المتناهية للمشرفي، ج: 2، ص: 45/47، ت: إدريس بوهليلة، ط: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية.

[4]  المرجع نفسه

[5]  المرجع نفسه

[6]  المرجع نفسه

[7]  المغرب عبر التاريخ للحركات، ج: 3، ص: 173، ط: دار الرشاد الحديثة.

[8]  المجالس العلمية السلطانية على عهد الدولة العلوية، ج: 2، ص: 414.    

[9]  فهرس الفهارس والأثبات ومعجم المعاجم والمشيخات والمسلسلات لعبد الحي الكتاني، ج: 2، ص: 983، ت: إحسان عباس، ط: دار الغرب الإسلامي بيروت، (ت.ط) 1982.

[10]   مدرسة الإمام البخاري في المغرب ليوسف الكتاني، ج: 1، ص: 385

[11]  الاستقصا، ج: 1، ص: 170.

[12]  مدرسة الإمام البخاري في المغرب ليوسف الكتاني، ج: 1، ص: 385

[13]  المجالس العلمية السلطانية، ج: 2، ص: 371.

[14]  المرجع نفسه.

[15]  الحلل البهية للمشرفي، ج: 2، ص: 45/47  

[16]   فهرس الفهارس 2/129ـ 331.

[17]  مدرسة الإمام البخاري في المغرب ليوسف الكتاني، ج: 1، ص: 386.

تعليقات