الغلو والتشدد في الدين: مظاهره، أسبابه، وآثاره في ضوء الهدي النبوي الإمام المرشد: عبد الله صابري




 بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

في مستهل هذه المحاضرة، يشرفني أن أرحّب بالحضور الكريم، وأن أخصّ بالتحية والتقدير السيد رئيس المجلس العلمي المحلي، والسيدين المنسقين، والسادة المرشدين والمرشدات، حضوراً كريماً مباركاً، سائلين الله تعالى أن يجزيهم خير الجزاء على ما يبذلونه من جهود في خدمة الشأن الديني، وترسيخ قيم الاعتدال والوسطية.

وتندرج هذه المحاضرة في إطار شرح مضامين كتاب "يوميات الإرشاد"، الذي يُعد من المبادرات العلمية الهادفة إلى ترسيخ الوعي الديني الرشيد، وتقريب المفاهيم الشرعية إلى عموم الناس بأسلوب يجمع بين التأصيل والتوجيه.

وإن من أعظم القضايا التي تستوجب البيان والتأصيل في واقعنا المعاصر: قضية الغلو والتشدد في الدين، لما لها من آثار خطيرة على الأفراد والمجتمعات، بل وعلى صورة الإسلام في العالمين.

وقد كان اختيار هذا الموضوع لاعتبارات متعددة، من أهمها:

-     ما يشهده الواقع من تنامي بعض مظاهر التشدد في فهم الدين، خاصة عبر وسائل التواصل الحديثة.

-     وما ترتب عن ذلك من انحرافات فكرية وسلوكية، بلغت في بعض صورها حدّ العنف والتطرف.

-     ثم الحاجة الملحّة إلى إعادة الاعتبار لمنهج الوسطية والاعتدال الذي جاء به الإسلام.

وتكمن إشكالية هذا الموضوع في جملة من التساؤلات المركزية:

ما حقيقة الغلو في الدين؟ وما حدوده الفاصلة بينه وبين الالتزام المشروع؟

ما أبرز أسبابه ودوافعه في السياق المعاصر؟ وكيف يمكن معالجته في ضوء الهدي النبوي والتأصيل العلمي الرصين؟

وهو ما سنحاول الوقوف عنده من خلال هذا العرض، بعون الله وتوفيقه.

·     أولاً - مفهوم الغلو والتشدد في الدين:

الغلو في اللغة: مجاوزة الحد. وأما في الاصطلاح: فهو تجاوز ما شرعه الله تعالى بالزيادة أو الإفراط أو تحميل النصوص ما لا تحتمل.

وقد نهى الله تعالى عن الغلو، فقال: [يَا أَهْلَ الكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلَّا الحَقَّ] {النساء:171}.

وهذا النهي وإن كان موجهاً لأهل الكتاب، فإنه تحذير للأمة الإسلامية كذلك، حتى لا تقع فيما وقع فيه غيرها.

·      ثانياً - مظاهر الغلو في الواقع المعاصر:

يتجلى الغلو في صور متعددة، من أبرزها:

-     التشدد في الجزئيات والانشغال بصغار المسائل على حساب الكليات والمقاصد.

-     ادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة، واحتقار المخالفين وتبديعهم.

-     تحريف المفاهيم الشرعية، كالجهاد والولاء والبراء، وتحميلها دلالات منحرفة.

-     الدعوة إلى العنف باسم الدين، وهو من أخطر مظاهر الغلو.

وقد نبّه علماء الأمة، ومنهم علماء المغرب، إلى أن دعاوى الإرهاب إنما تقوم على فهم فاسد للنصوص والمفاهيم الشرعية.

·     ثالثاً - أسباب الغلو والتشدد:

يمكن ردّ أسباب الغلو إلى جملة من العوامل، منها:

-     الجهل بالدين: فضعف التكوين العلمي يؤدي إلى سوء الفهم.

-     اتباع الهوى: حيث يُلبس الإنسان هواه لباس الشرع.

-     الاضطراب النفسي والفكري: كما يظهر في بعض من تغلب عليهم الوساوس أو نزعة الزعامة.

-     غياب المرجعية العلمية: والاعتماد على مصادر غير موثوقة، خاصة عبر الإنترنت.

-     التأثر بالخطابات المتطرفة التي تستغل العاطفة الدينية.

·     رابعاً - خطورة الغلو وآثاره:

الغلو ليس مجرد خطأ فكري، بل هو داء خطير له آثار جسيمة، منها:

-     تشويه صورة الإسلام، بإظهاره دينا قائماً على العنف والتشدد.

-     زرع الفرقة بين المسلمين، عبر التكفير والتبديع.

-     إضعاف وحدة الأمة وتمزيق صفها.

-     الوقوع في الفتن التي تعصف بالمجتمعات.

-     ولهذا وصف النبي صلى الله عليه وسلم هذا الدين بقوله: ((إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه...))

·     خامساً - المنهج النبوي في مواجهة الغلو:

لقد قامت سيرة النبي صلى الله عليه وسلم على أسس راسخة في محاربة الغلو، منها:

-     اليسر ورفع الحرج: فلم يكن صلى الله عليه وسلم يخيّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً.

-     الاعتدال والتوازن: فلا إفراط ولا تفريط.

-     الدفع بالحكمة والموعظة الحسنة.

-     تربية الصحابة على الوسطية.

-     وقد حمّل النبي صلى الله عليه وسلم العلماء مسؤولية حماية الدين، فقال: ((يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله...)).

·     سادساً - سبل الوقاية من الغلو وعلاجه:

يمكن معالجة الغلو من خلال:

-     الرجوع إلى العلماء العدول وأخذ العلم عنهم، وقد قال ابن سيرين رحمه الله: «إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم».

-     تعزيز التربية على الوسطية والاعتدال.

-     تحقيق العدل في المجتمع؛ لأنه من أعظم أسباب الاستقرار.

-     التحذير من مصادر الفتنة الفكرية، خاصة في الفضاء الرقمي.

-     ترسيخ فقه المقاصد بدل الجمود على الظواهر.

·     الخاتمة:

وفي ختام هذه المحاضرة، يتبين لنا أن الغلو والتشدد ليسا من الدين في شيء؛ بل هما انحراف عن جوهره القائم على الرحمة واليسر والاعتدال، وأن مسؤولية مواجهة هذا الداء مشتركة بين: العلماء بالتأصيل والبيان، والمؤسسات بالتأطير والتوجيه، والأفراد بحسن الاختيار والتثبت.

فلنحرص جميعاً على التمسك بمنهج الوسطية، ولنستحضر دائماً أن هذا الدين إنما جاء رحمة للعالمين، لا نقمة عليهم.

نسأل الله تعالى أن يهدينا سواء السبيل، وأن يجنبنا الغلو والتفريط، وأن يجعلنا من أهل الاعتدال والاستقامة، والحمد لله رب العالمين.


من إنجاز: الإمام المرشد عبد الله صابري
تعليقات