الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وآله وصحبه، ومن اهتدى بهديه، وبعد.
أعددت هذه الكلمة الموجزة عن منظومة (قرة الأبصار في سيرة المشفع المختار) تلبية لدعوة المجلس إلى كتابة بطاقات تعريفية وتذكيرية بالمتون والكتب المتعلقة بالسيرة النبوية في المدارس العتيقة، وهذا نصها:
تقديم
كان علم السيرة النبوية واحدا من العلوم
التي تدرس في المدارس العتيقة[1]، وهو كغيره يدرّس
بمتون معلومة، منها نظم الشيخ عبد العزيز اللمطي، الموسوم ب{قرة الأبصار في سيرة
المشفع المختار} وكان هذا النظم يحفظ مع دراسته، وعادة ما يدرّس في شهر المولد،
وطريقة تدريسه أنه يقرر على الطريقة المعهودة: شرح للمباني، وكشف للمعاني، دون
البحث في مصادرها، أو ربط مسائلها بأدلتها.
وكذلك درست هذا النظم في حينه، وواتت الفرصة
في هذا العرض أن أبحث عن ترجمة ناظمه، وطريقة إنجازه، ومعتمده في مادته، تلك هي العناصر
التي أتناولها بعد هذا التقديم.
الأول:
الترجمة
فهو الشيخ الأديب، العالم الأريب، أبو فارس،
عبد العزيز بن عبد الواحد، اللمطي المكناسي المدني، كان مشهودا له بعلو كعبه في
العلوم الشرعية والأدبية، ذكر عنه أنه "كان فاضلا، علامة، مفننا، شاعرا،
صالحا، دمث الأخلاق، كثير التواضع"[2]، وانتهى به
المطاف في سيرته العلمية إلى الاستقرار بالمدينة المنورة، حيث جلس للإقراء حتى عد فيها
شيخ القراء[3]، وهناك ألف نظمه[4]، وفيها وفاته[5].
لم
أهتد إلى تاريخ ولادته، ووقع اضطراب في تاريخ وفاته[6]، ونسب في أصله
إلى لمطة، وهي قبيلة معروفة بمدينتها التاريخية في جنوب المغرب (نول لمطة[7]) وما زالت بعض
آثارها بادية للعيان، تزار ضمن مآثر مدينة أكلميم، كما نسب في نشأته إلى مدينة
مكناس[8]، وفاس[9]، وفي استقرارة
ووفاته إلى المدينة المنورة[10].
وكان له اهتمام خاص بنظم العلوم الشرعية
والأدبية، فعد له منظومات عدة، تشمل الفقه والأصول، والنحو والصرف والبيان، والحساب
والمنطق والتفسير، إضافة إلى هذا النظم في السيرة، الذي لم يصرح به عند غالب
مترجميه، ولعله مندرج في المنظومة التي بعثها لأخيه وفيها نيف وعشرون فنا[11].
وهذه ملامح من حياته، بقدر ما تفيده مصادر
ترجمته، فهي ـ وإن لم تسفر عن صورة كاملة لسيرته ـ تنبئ عن مكانته في عصره.
الثاني:
النظم
فالنظم يقع في أربعمائة بيت من بحر الرجز[12]، صدّره بمقدمة
بيّن فيها بعد الحمد والصلاة قصده من رجزه، في تقريب هذا العلم من طلبته[13]، كما حدد فيها اسمه،
وطريقة وضعه، ثم أفاض في ذكر أحداث السيرة مبوبا لها، ومرتبا على التقسيم الثلاثي
للزمن الذي استغرقته، من النسب الشريف إلى البعثة، ومنها إلى الهجرة، ثم من الهجرة
إلى الوفاة، ولم يسلك في ذلك منهجا معينا، غالبا ما يختصر، وقد يسهب في بعض
القضايا.
وبعد ما فرغ من ذكر تلك المباحث؛ شرع في
عرض تفاصيل الأسرة النبوية، فوضع بطاقات شخصية لأمهات المؤمنين، وكذلك لأولاده، ثم
انتقل لذكر أعمامه وعماته، ومواليه وإمائه، وخدامه الأحرار، وحراسه، كل ذلك على
وجه الإجمال، واكتفى في البعض بسرد الأسماء.
ثم عقد أبوابا لذكر الرسل إلى الملوك، وكتّاب
الوحي، ومن ينفّذ الأحكام بين يديه، والمبشرين بالجنة، والمؤذنين، وعطف عليها
أبوابا أخرى، عقدها لبيان ما له صلى الله عليه وسلم من الدواب والأنعام، وما له من
أنواع السلاح، ومن أنواع الثياب والأثاث، وعدّ في باب آخر بعض المعجزات والدلائل.
وكانت
له لفتة بعد هذه الأبواب كلها؛ إلى أحداث وفاته ـ صلى الله عليه وسلم من حين المرض
إلى الدفن، وختم نظمه بذكر الشمائل والأسماء، والتوسل بهما، إلى الأبيات الأخيرة
التي وضعها لتحديد زمان ومكان تأليفه.
الثالث:
أصل هذا النظم ومصدره
غالبا ما يكون هذا النوع من النظم عقدا لمنثور[14]، وكثير من
المنظومات العلمية؛ لها أصولها النثرية، تذكر أو يشار إليها في التقاديم أو
الخواتم، لكن الشيخ اللمطي لم يفصح في نظمه هذا عن الأصل الذي اعتمده في عقده، ولا
يبعد أن يكون له أصل، لما ذكر عنه من نظمه لكتب مختلفة[15].
ويبدو من النظر في عناوين ومضامين هذا
النظم؛ أنه استفاد كثيرا من {عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير} لابن
سيد الناس(ت734هـ)، هذا إن لم يعتمده أصلا لنظمه، إذ كثير من أبوابه في شق الأمور
المتعلقة بالأسرة النبوية، وحياتها الاجتماعية والسياسية؛ تشبه إلى حد كبير تبويبه،
ثم هذا الكتاب حظي بنظمه أكثر من مرة[16]، والله تعالى
أعلم.
إبراهيم القداح، المجلس العلمي المحلي لتزنيت.
لائحة
المصادر والمراجع
ü
سوس
العالمة، للمختار السوسي(ت1383هـ) الناشر: مطبعة فضالة، المغرب 1960.
ü
شذرات
الذهب في أخبار من ذهب، تأليف ابن العماد الحنبلي(ت1089هـ) تح محمدو الأرناؤوط،
الناشر: دار ابن كثير دمشق، ط الأولى 1986.
ü
درة
الحجال في أسماء الرجال، تأليف ابن القاضي المكناسي(ت1025هـ) تح د محمد الأحمدي
أبو النور، الناشر: دار التراث، القاهرة ط الأولى 1971.
ü
نيل
الابتهاج بتطريز الديباج، تأليف أحمد باب ا التنبكتي(ت1036هـ) الناشر: دار الكتاب،
طرابلس ليبيا، ط الثانية 2000.
ü
شجرة
النور الزكية في طبقات المالكية، تأليف ابن مخلوف(ت1360هـ) الناشر: دار الكتب
العلمية لبنان، ط الأولى 2003.
ü
الكواكب
السائرة بأعيان المائة العاشرة، تأليف نجم الدين الغزي(ت1061هـ) تح خليل منصور،
الناشر: دار الكتب العلمية، ط الأولى 1997.
ü
جذوة
الاقتباس في ذكر من حل من الأعلام مدينة فاس، تأليف ابن القاضي المكناسي(ت1025هـ)
الناشر: دار المنصور للطباعة، الرباط، 1973.
ü
الروض
المعطار في خبر الأقطار، تأليف ابن عبد المنعم الحميري(ت900هـ) تح إحسان عباس،
الناشر: مؤسسة ناصر للثقافة بيروت، ط الثانية 1980.
ü
إتحاف
أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس، تأليف ابن زيدان السجلماسي(ت1365هـ) تح
الدكتور علي عمر، الناشر: مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة مصر، ط الأولى 2008.
ü
فهرس
أحمد المنجور، تح محمد حجي، الناشر: دار المغرب للتأليف والترجمة والنشر، الرباط
1976.
ü
المنظومات
التعليمية في سوس، دراسة وبيبليوغرافيا، تأليف محمد أوصالح الصالحي، الناشر: مطبعة
النجاح، الدار البيضاء، ط الأولى 2004.
ü
الجوهر
المكنون في صدف الثلاثة الفنون، للشيخعبد الرحمن الأخضري(ت953هـ) تح د.محمد عبد
العزيز نصيف، الناشر: مركز البصائر للبحث العلمي.
ü عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير، لليعمري(ت734هـ)
تح د. محمد العيد الخطراوي، محمي الدين ميتو، الناشر: مكتبة دار التراث، المدينة
المنورة.
[1] سوس العالمة، الحديث والسيرة، ص 35.
[2] شذرات الذهب في أخبار من ذهب لابن العماد، سنة أربع وستين وتسعمائة، ج
10، ص 496.
[3] الكواكب السائرة بأعيان المائة العاشرة للغزي، حرف العين المهملة من
الطبقة الثانية، عبد العزيز المغربي المكناسي.
[4] ذكر ذلك في خاتمته إذ قال: "قد تم نظم قرة الأبصار*بحول هاد ماجد
غفار*في غرة الشهر الأغر مولد*أسمى الورى نبينا محمد*بطيبة الغراء دار المصطفى*صلى
عليه ربنا وشرفا*وآله وصحبه ومن تلا*منهاجه من الأنام مسجلا.
[5] نيل الابتهاج بتطريز الديباج للتنبكتي، حرف العين المهملة، عبد العزيز
بن عبد الواحد اللمطي الفاسي، الترجمة 329.
[6] درة الحجال في أسماء الرجال لابن القاضي المكناسي، حرف العين،
الترجمة، 1080، وأرخ وفاته بقرب 980 هـ، وجعلها قرب 880هـ في جذوة الاقتباس، حرف
العين، الترجمة 491، وأرخها ابن العماد في 964هـ، وكذلك الغزي في الكواكب السائرة،
وقال ابن مخلوف في شجرة النور الزكية: "لم أقف على وفاته" الترجمة 1091،
وأقرب إلى الصواب: التاريخ الأول، لأنه من تلاميذ الشيخ أبي العباس الزقاق، المتوفى(932هـ).
[7] الروض المعطار في خبر الأقطار للحميري، حرف النون، نول لمطة، ص 584.
[8] إتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس، لابن زيدان، الترجمة 442،
عبد العزيز المكناسي المدني.
[9] جذوة الاقتباس حرف العين، الترجمة 491.
[10] فهرس أحمد المنجور، عبد العزيز بن عبد الواحد اللمطي، ص 35.
[11] نفس المصدر.
[12] أحصيت هذا العد في إحدى نسخه، وهو يختلف من نسخة إلى أخرى.
[13] وهو واحد من المقاصد التي وراء هذا النوع من النظم، انظر:المنظومات
التعليمية في سوس، للدكتور محمد أوصالح الصالحي، دواعي استعمال النظم التعليمي
وتداوله عند السوسيين، ص 59.
[14] عقد المنثور أو حل المنظوم: عمل بلاغي من أقسام البديع، "والعقد
نظم النثر لا بالاقتباس*والحل نثر النظم فاعرف القياس" الجوهر المكنون
للأخضري، التضمين والحل والعقد، البيت 271.
[15] الكواكب السائرة بأعيان المائة العاشرة للغزي، حرف العين المهملة من
الطبقة الثانية، عبد العزيز المغربي المكناسي.
[16] عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير، ج الأول، مقدمة التحقيق،
ص 8.
اكتب تعليقك